ابن قاضي شهبة

440

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

وحدّث في طريقه بحلب وغيرها . سمعت الخطيب مسعود بن محمد بمرو : سمعت الفضل بن عمر النّسويّ يقول : كتبت بجامع صور عند أبي بكر الخطيب ، فدخل عليه علويّ وفي كمّه دنانير . فقال : هذا الذّهب تصرفه في مهمّاتك . فقطّب وجهه وقال : لا حاجة لي فيه . فقال : كأنّك تستقلّه ؟ ونفض كمّه على سجّادة الخطيب ، فنزلت الدنانير فقال : هذه ثلاثمائة دينار . فقام الخطيب خجلا محمرّا وجهه ، وأخذ سجّادته ورمى الدنانير وراح ، فما أنس عزّ خروجه ، وذلّ ذلك الرّجل ، وهو يلتقط الدّنانير من شقوق الحصير « 1 » . وقال الحافظ ابن ناصر : حدّثني أبو زكريّا التّبريزيّ اللّغويّ . قال : دخلت دمشق . فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له ، وكنت أسكن منارة الجامع ، فصعد إليّ وقال : أحببت أن أزورك في بيتك . فتحدّثنا ساعة ، ثم أخرج ورقة وقال : الهديّة مستحبة ، اشتر بهذا أقلاما ، ونهض . قال : فإذا هي خمسة دنانير مصرية . ثم إنّه صعد مرة أخرى ، ووضع نحوا من ذلك . وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع . وكان يقرأ معربا صحيحا « 2 » . وقال أبو سعد : سمعت على ستة عشر نفسا من أصحابه ، سمعوا منه ، سوى نصر اللّه المصّيصيّ ، فإنّه سمع منه بصور ، وسوى يحيى بن عليّ الخطيب ، سمع منه بالأنبار . وقرأت بخط والدي : سمعت أبا محمد بن الأبنوسيّ يقول : سمعت الخطيب يقول : كلّما ذكرت في التّاريخ عن رجل اختلفت فيه أقاويل الناس . في الجرح والتعديل ، فالتّعويل على ما أخّرت ذكره من ذلك ، وختمت به « 3 » الترجمة . وقال ابن شافع في ( تاريخه ) : خرج الخطيب إلى الشّام في صفر سنة إحدى وخمسين ، وقصد صور وبها ( عز الدولة ) الموصوف بالكرم ، وتقرّب منه ، فانتفع به وأعطاه مالا كثيرا . انتهى إليه الحفظ والإتقان والقيام بعلوم الحديث .

--> ( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 4 / 34 ، 35 ، تذكرة الحفاظ 3 / 1138 ، سير أعلام النبلاء 18 / 277 . ( 2 ) ياقوت ، معجم الأدباء 4 / 32 ، سير أعلام النبلاء 18 / 278 . ( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 18 / 278 ، تذكرة الحفاظ 3 / 1138 .